ابن المقفع
122
آثار ابن المقفع
يدخل فيه الماء من النهر إلى الغدير فنجت بنفسها . وأما الكيسة الأخرى فإنها مكثت مكانها وتهاونت في الأمر حتى جاء الصيادان . فلما رأتهما وعرفت ما يريدان ذهبت لتخرج من حيث يدخل الماء فإذا بهما قد سدا ذلك المكان فحينئذ قالت : فرطت « 1 » وهذه عاقبة التفريط ، فكيف الحيلة على هذه الحال ! وقلما تنجح حيلة العجلة والإرهاق « 2 » ، غير أن العاقل لا يقنط من منافع الرأي ولا ييأس على حال ولا يدع الرأي والجهد . ثم إنها تماوتت فطفت على وجه الماء منقلبة على ظهرها تارة وتارة على بطنها ، فأخذها الصيادان وظناها ميتة فوضعاها على الأرض بين النهر والغدير فوثبت إلى النهر فنجت . وأما العاجزة فلم تزل في إقبال وإدبار حتى صيدت . قال الأسد : فهمت ذلك ولا أظن الثور يغشني ولا يرجو لي الغوائل « 3 » . وكيف يفعل ذلك ولم ير مني سوءا قط ولم أدع خيرا إلا فعلته معه ولا أمنية إلا بلغته إياها ، قال دمنة : أيها الملك ، إنه لم يحمله على ذلك إلا ما ذكرته من إكرامك له وتبليغك إياه كل منزلة خلا منزلتك ، وإنه متطلع إليها . فإن اللئيم لا يزال نافعا ناصحا حتى يرفع إلى المنزلة التي ليس لها بأهل ، فإذا بلغها اشرأبت « 4 » نفسه إلى ما فوقها ، ولا سيما أهل الخيانة والفجور . فان اللئيم الفاجر لا يخدم السلطان ولا ينصح له إلا من فرق « 5 » أو حاجة ، فإذا استغنى وذهبت الهيبة والحاجة عاد إلى جوهره ، كذنب الكلب الذي يربط ليستقيم ، فلا يزال مستويا ما دام مربوطا ، فإذا حل انحنى وتعوج كما كان واعلم ، أيها الملك ، انه من لم يقبل من نصحائه ما يثقل عليه مما
--> ( 1 ) فرطت : قصرت . ( 2 ) الارهاق : التأخر والابطاء . ( 3 ) الغوائل : المهالك . ( 4 ) اشرأبت : تطاولت . ( 5 ) فرق : خوف ، رعدة .